رسالة صوتية لأربع دقائق. من يدفع ثمن سهولة الكلام؟
الرسالة الصوتية تنقل جهد التواصل من طرف إلى آخر ولا تلغيه. هذا ما يحدث للوقت والانتباه والخصوصية بين الضغط على الميكروفون والرد.

الأول يمشي إلى عمله، يضغط على الميكروفون، ويحكي ما حدث معه أمس في أربع دقائق. الثاني في اجتماع، يرى الإشعار، ويؤجل السماع إلى المساء. حين يسمعها أخيرًا، يبحث فيها عن معلومة واحدة: موعد اللقاء يوم الجمعة.
المشهد مألوف لأن الرسائل الصوتية صارت جزءًا ثابتًا من التراسل. أعلنت WhatsApp عام 2022 أن مستخدميها يرسلون في المتوسط 7 مليارات رسالة صوتية كل يوم، وهو آخر رقم معلن نشرته الشركة عن الرسائل الصوتية.
توفّر وقت من يتكلم كثيرًا، وتنقل إلى من يسمع عملًا آخر.
الكلام أسرع من الكتابة على الهاتف بخمس مرات تقريبًا. أما خسارة المتلقي في السرعة وحدها فأصغر مما يبدو. الكلفة الحقيقية تنتقل إليه في صورة ترتيب وتلخيص وبحث عن المعلومة، وفي حاجته إلى وقت ومكان مناسبين للسماع.
ماذا تقول الأرقام عن الوقت؟
الأرقام الثلاثة من دراسات مختلفة وبمناهج مختلفة، وكلها عن اللغة الإنجليزية. الكلام مقيس في مكالمات هاتفية، والقراءة في نصوص غير أدبية. الغرض هو المقارنة التقريبية لا الدقة. المصدر: الكتابة: بالين وزملاؤها، مؤتمر MobileHCI، 2019. الكلام: يوان وليبرمان وكييري، جامعة بنسلفانيا، مؤتمر Interspeech، 2006. القراءة: بريزبارت، مجلة Journal of Memory and Language، 2019.
في دراسة شارك فيها أكثر من 37 ألف متطوع، كان متوسط الكتابة على الهاتف نحو 36 كلمة في الدقيقة. وفي تحليل لآلاف المكالمات الهاتفية بالإنجليزية، بلغ متوسط الكلام نحو 196 كلمة في الدقيقة، وتراوح بين 111 و291 بحسب المكالمة. أي أن من يتكلم يقول في دقيقة ما يحتاج إلى نحو خمس دقائق لكتابته.
على الطرف الآخر، يقرأ البالغ نصًا غير أدبي بصمت بمعدل 238 كلمة في الدقيقة، بحسب تحليل جامع لـ190 دراسة. القراءة إذن أسرع من السماع بفارق محدود. ومنذ 2022 تتيح WhatsApp تشغيل الرسائل بسرعة مضاعفة، وهذا قد يجعل السماع أسرع من القراءة.
لو كان الأمر وقتًا فقط، لكان المرسل هو الرابح الأكبر، والمتلقي خاسرًا قليلًا. لكن الأرقام تقيس السرعة وحدها. ما ينتقل إلى المتلقي هو العمل الذي لم يقم به المرسل.
أين تذهب الكلفة إذن؟
من الضغط على الميكروفون إلى الرد
- 1المرسل يتكلم كما يفكربلا مسودة غالبًا. الكتابة البطيئة تجبر على الاختصار، والكلام لا يجبر عليه.
- 2الرسالة تصليعرف المتلقي مدتها، لا محتواها. لا يستطيع أن يلقي عليها نظرة سريعة ليقرر هل هي عاجلة.
- 3المتلقي يبحث عن وقت ومكانيحتاج إلى سماعة أو مكان هادئ. في اجتماع أو مواصلات عامة، تتأجل الرسالة.
- 4السماع بالترتيب الذي قيلت بهالنص يسمح بالقفز إلى المعلومة. التسجيل يُسمع من أوله، والموعد قد يأتي في الدقيقة الثالثة.
- 5إعادة السماع لالتقاط التفاصيلرقم أو عنوان أو اسم قد يحتاج إلى تشغيل الرسالة مرة أخرى، ولا يمكن نسخه ولصقه.
الرسم تبسيط لما يحدث مع الرسائل الطويلة. الرسالة القصيرة العابرة لا تمر غالبًا بكل هذه الخطوات.
في دراسة ميدانية نشرها باحثون من جامعة أولم الألمانية عام 2020، كان المشاركون يستمعون إلى الرسائل التي تصلهم 1.37 مرة في المتوسط. الرقم مأخوذ من 6 مستخدمين متحمسين للرسائل الصوتية على مدى أسبوعين، فهو مؤشر لا قاعدة.
ما يحمله كل شكل
النبرة والضحكة والتردد. يصعب البحث فيه، ويُسمع بالترتيب، ويحتاج إلى مكان مناسب.
يُقرأ بنظرة، ويُبحث فيه، ويُنسخ منه. لكنه يحتاج من كاتبه وقتًا، وقد يفقد النبرة فيُساء فهمه.
متى تكون الرسالة الصوتية إتاحة؟
السهولة نفسها التي تُثقل على المتلقي أحيانًا تفتح الباب لآخرين. من يجد صعوبة في الكتابة على الشاشة الصغيرة، أو في القراءة والكتابة عمومًا، أو من ضعف بصره، يستطيع أن يتواصل بصوته دون وسيط. وقالت WhatsApp حين أطلقت تحديثاتها عام 2022 إن التعبير عن المشاعر بالصوت أكثر طبيعية من النص.
وفي دراسة جامعة أولم نفسها، قال مستخدمون إن التعبير عن أفكارهم أسهل بالصوت، وإن بعضهم يرسل رسالة صوتية على أمل أن يتلقى مثلها. الصوت هنا يحمل الحضور قبل المعلومة.
الوسيلة نفسها، نتائج مختلفة
تحليل لا واقعة: هذا التصنيف تحليل يستند إلى طريقة عمل الوسيلة، لا نتيجة دراسة قاست هذه الحالات. والحد بين الإتاحة والعبء يتوقف في النهاية على الطرفين واتفاقهما.
ماذا عن الخصوصية؟
الصوت يحمل أكثر من الكلمات: هوية صاحبه ونبرته، وأحيانًا ما يدور حوله من أصوات وأحاديث. والتسجيل يمكن إعادة توجيهه كما هو، بصوت صاحبه، إلى من لم يكن مقصودًا به. والمتلقي يحتاج بدوره إلى مكان لا يسمع فيه الآخرون ما وصله.
التطبيقات نفسها تتعامل مع ذلك. في ديسمبر 2023 أضافت WhatsApp رسائل صوتية تُسمع مرة واحدة ثم تختفي، واقترحت استخدامها لمشاركة معلومات حساسة. وتقول الشركة إن الرسائل الصوتية كلها مشفرة من الطرف إلى الطرف.
- هل يحل التفريغ النصي المشكلة؟
- جزئيًا. أطلقت WhatsApp في نوفمبر 2024 تحويل الرسائل الصوتية إلى نص على جهاز المتلقي، وبدأت بعدد محدود من اللغات. لكن التفريغ ينقل الكلام كما قيل، بلا ترتيب ولا تلخيص، والدقة تتأثر بالضوضاء واللهجة.
- وماذا عن تسريع التشغيل؟
- يقلّص وقت السماع، وقد يجعله أقصر من القراءة. لكنه لا يتيح القفز إلى المعلومة المطلوبة، ولا يغني عن المكان المناسب للسماع.
لم يُحسم بعد: البحث العلمي عن الرسائل الصوتية تحديدًا ما زال قليلًا، وأغلب ما يُنشر عن تفضيلات الناس استطلاعات تجارية. والأرقام المتاحة عن سرعة الكلام والقراءة والكتابة تخص الإنجليزية، ولا تتوفر مقارنة مماثلة منشورة للعربية.
إذن، من يدفع ثمن سهولة الكلام؟
المرسل يربح وقتًا حقيقيًا، والمتلقي لا يخسر الوقت نفسه بالضرورة، لكنه يتسلم عمل الترتيب والاختصار والبحث، ومعه عبء إيجاد الوقت والمكان. لذلك تكون الرسالة الصوتية إتاحة حين يحتاجها المرسل أو يقدّرها المتلقي، وتصبح عبئًا حين تحمل معلومات يحتاج المتلقي إلى الرجوع إليها، أو حين يفضّل أحد الطرفين الكتابة ولا يُسأل. وخلاف الصديقين في جوهره خلاف على من يتحمل جهد الرسالة.
ما يستحق المتابعة
- اتساع اللغات المدعومة في التفريغ النصي للرسائل الصوتية، ومنها العربية.
- أدوات تلخيص الرسائل الصوتية آليًا داخل تطبيقات التراسل، وما تعنيه للخصوصية.
- القواعد التي تضعها جهات العمل لاستخدام الرسائل الصوتية في التواصل الداخلي.
المصادر
- مدونة WhatsApp، «Making Voice Messages Better»، 30 مارس 2022.
- MobileHCI 2019 (ACM)، جامعة آلتو وجامعة كامبريدج، «How do people type on mobile devices? Observations from a study with 37,000 volunteers»، أكتوبر 2019.
- Interspeech 2006، اتحاد البيانات اللغوية بجامعة بنسلفانيا، «Towards an Integrated Understanding of Speaking Rate in Conversation»، 2006.
- Journal of Memory and Language، «How many words do we read per minute? A review and meta-analysis of reading rate»، 2019.
- MobileHCI 2020، جامعة أولم، «They Like to Hear My Voice: Exploring Usage Behavior in Speech-Based Mobile Instant Messaging»، 2020.
- مدونة WhatsApp، «Voice messages just got more private»، 7 ديسمبر 2023.
- مدونة WhatsApp، «Introducing Voice Message Transcripts»، 21 نوفمبر 2024.