الشارع نفسه نهارًا وليلًا. مَن يمشي فيه مطمئنًا؟
الشعور بالأمان في الشارع لا يصنعه الضوء وحده. وما يشعر به المارة لا يطابق دائمًا ما تقيسه أرقام الجريمة، في الاتجاهين.

لنفترض شارعًا تجاريًا في حي سكني: صف محلات، ومحطة حافلات، وحديقة صغيرة في آخره. في الرابعة عصرًا، الرصيف مزدحم، والواجهات مفتوحة، والحافلة تمر كل بضع دقائق. في الحادية عشرة ليلًا، تُغلق معظم المحلات، ويخف المارة، ويطول الانتظار في المحطة.
هذا شارع توضيحي بلا عنوان. لكن عناصره هي ما تقيسه المسوح الرسمية والدراسات حين تسأل: مَن يشعر بالأمان في المدينة ليلًا، ومَن لا يشعر به، ولماذا. والإجابة لا تبقى شعورًا: في بريطانيا، قال كثير ممن يشعرون بعدم الأمان إنهم غيّروا سلوكهم، فتوقفوا عن الخروج وحدهم أو تجنبوا شوارع بعينها.
الإضاءة تخفض بعض الجرائم، لكنها لا تكفي وحدها لصنع الأمان.
تجربة عشوائية في نيويورك وجدت أن الإضاءة الإضافية خفضت الجرائم الليلية في الأماكن المفتوحة بنحو الثلث على الأقل. لكن الشعور بالأمان يعتمد أيضًا على وجود الناس وإمكان طلب المساعدة ووسيلة الخروج، وهذه تختفي ليلًا حتى في شارع مضاء جيدًا.
ما الذي يختفي بعد الغروب؟
المسار التوضيحي نفسه في ساعتين
محلات مفتوحة وأصحابها على أبوابها، ومارة في الاتجاهين، وحافلات متقاربة، وضوء النهار يكشف الرصيف كله.
أبواب معدنية مغلقة، ومارة قليلون، وانتظار أطول في المحطة، وإنارة تضيء الطريق لكنها تترك الزوايا والحديقة في الظل.
لم يتغير الشارع نفسه. تغيّر ما يحيط بمن يمشي فيه. ويصف المختصون هذا الفرق بمفاهيم من مدرسة معروفة في التخطيط والشرطة اسمها «التصميم البيئي لمنع الجريمة» (CPTED)، تقوم على أن تصميم المكان واستخدامه يؤثران في الجريمة وفي الخوف منها معًا.
- مصطلحالمراقبة الطبيعية
- ترتيب المكان بحيث يرى الناس بعضهم بعضًا أثناء الاستخدام العادي: نوافذ تطل على الشارع، وواجهات مفتوحة، ومسارات بلا عوائق تحجب الرؤية. لا تعتمد على كاميرات أو حراس، وإنما على وجود الناس أنفسهم.
يمكن تفكيك شعور الأمان في الشارع إلى حلقات متتالية. حين تنقطع إحداها، يتراجع الشعور حتى لو بقيت الحلقات الأخرى.
كيف يصنع الشارع شعور الأمان
- 1أن يرى الماشيإضاءة تكشف الطريق ومن فيه، وخطوط رؤية بلا زوايا معتمة.
- 2أن يُرىواجهات مفتوحة ونوافذ ومارة، أي عيون على الشارع.
- 3أن يجد من يساعدهمحل مفتوح أو شخص قريب يسمع. هذه أول حلقة تختفي ليلًا حين تُغلق الواجهات.
- 4أن يغادر بسرعةمواصلات منتظمة وانتظار قصير في محطة غير معزولة.
الرسم تبسيط تحريري مبني على مبادئ التصميم البيئي لمنع الجريمة، وليس نموذجًا من دراسة بعينها.
مَن يشعر بالخطر في الشارع نفسه؟
مقابل رجل واحد من كل 7، في مسح أجراه مكتب الإحصاء البريطاني في يونيو 2021 عن المشي منفردًا بعد الظلام. الفجوة نفسها تكررت في كل الأماكن التي شملها المسح.
المصدر: مكتب الإحصاء الوطني البريطاني (ONS).وفي المسح نفسه، قالت 81% من النساء و39% من الرجال إنهم لا يشعرون بالأمان في حديقة أو مكان مفتوح بعد الظلام. وشعر ذوو الإعاقة بأمان أقل من غيرهم في كل الأماكن، نهارًا وليلًا. وفي مسح لاحق بين فبراير ومارس 2022، قال 34% من البالغين إنهم لا يشعرون بالأمان في المواصلات العامة ليلًا، مقابل 9% نهارًا.
المسار نفسه بعيون مختلفة
الصورة في القاهرة قريبة من ذلك في المواصلات. دراسة لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية عن تنقل النساء في القاهرة الكبرى، نُشرت عام 2021، رصدت عدم انتظام الخدمة والزحام وخطر التحرش المستمر بين أبرز ما يواجهنه. وأيدت 90% من النساء المشاركات في المسح تخصيص أقسام للنساء في الحافلات، على غرار عربات المترو.
هل يطابق الشعور الخطر المقاس؟
ليس دائمًا. بحسب مسح الجريمة لإنجلترا وويلز للسنة المنتهية في مارس 2024، تعرّض 1% من الرجال للعنف على يد غريب، مقابل 0.4% من النساء. وكانت النسبة الأعلى بين الشباب من 16 إلى 24 عامًا، بنحو 2.2%. أي إن الفئة الأقل خوفًا في الشارع ليلًا هي الأكثر تعرضًا لعنف الغرباء فيه.
لكن هذا لا يجعل خوف النساء بلا أساس. يقول مكتب الإحصاء البريطاني إن النساء كنّ أكثر تعرضًا للجرائم العنيفة عمومًا في السنة نفسها، كما وجد في مسح 2021 أن من تعرضوا للتحرش خلال العام أكثر ميلًا للشعور بعدم الأمان.
تحليل لا واقعة: ما سبق قراءة تحريرية للأرقام: الخوف لا يقيس احتمال الجريمة وحده، وإنما يقيس أيضًا ما لا تلتقطه إحصاءات الجريمة، مثل التحرش اليومي الذي لا يُبلَّغ عنه. ولأن الخائفين يغيّرون سلوكهم ويتجنبون الشوارع، قد يبدو خطرهم المقاس أقل لأنهم ببساطة غير موجودين فيها.
هل تخفض الإضاءة الجريمة فعلًا؟
تجربتان كبيرتان تعطيان نتيجتين تبدوان متعارضتين.
النتيجتان لا تلغي إحداهما الأخرى. الأولى جرت في أماكن ترتفع فيها الجريمة أصلًا، والثانية في طرق اختارتها البلديات لتقليص الإنارة. ويقرّ باحثو الدراسة البريطانية بأن تحليلهم لم يتمكن من قياس الخوف من الجريمة ولا تراجع تنقل الناس، وبأن بعض السكان أبدوا قلقًا من الظلام بعد تقليص الإنارة.
تُثبته الدراسات
- الإضاءة الإضافية خفضت الجرائم الليلية في الأماكن المفتوحة في تجربة نيويورك العشوائية.
- النساء وذوو الإعاقة أقل شعورًا بالأمان بعد الظلام في المسوح البريطانية.
- الرجال الشباب أكثر تعرضًا لعنف الغرباء في إنجلترا وويلز.
لم يُحسم
- هل تنجح الإضاءة بالقدر نفسه في كل حي؟
- أثر تقليص الإنارة على شعور الناس وحركتهم، لا على الجريمة وحدها.
- بيانات عربية منهجية تقارن الشعور بالأمان بالجريمة المسجلة.
بحسب الدراسات والمسوح المتاحة حتى نوفمبر 2026.
إذن، هل تكفي الإضاءة؟
لا تكفي وحدها. الإضاءة قد تخفض الجريمة حيث ترتفع أصلًا، لكن الشارع يبدو آمنًا حين يجتمع فيه الضوء والناس والمحلات المفتوحة والمواصلات المنتظمة. والفرق بين الشعور والخطر المقاس لا يعني أن أحدهما خاطئ: كل منهما يقيس جزءًا مختلفًا من تجربة الشارع، ومعظم البيانات المنهجية المتاحة عنهما ما تزال غربية.
- ما الذي يجعل الشارع أكثر أمانًا غير الإنارة؟
- بحسب مبادئ التصميم البيئي لمنع الجريمة: خطوط رؤية مفتوحة، وواجهات ونوافذ تطل على الرصيف، وصيانة مستمرة للمكان، ونشاط يُبقي الناس فيه لساعات أطول.
- كيف تعرف المدن أين يشعر الناس بعدم الأمان؟
- بعضها يجري ما يُسمى تدقيق السلامة: جولات ميدانية تقيّم الشارع من منظور من يستخدمه. وتقول هيئة الأمم المتحدة للمرأة إن وزارة الإسكان المصرية اعتمدت تدقيق سلامة النساء في التخطيط العمراني.
- هل أرقام الجريمة كافية للحكم على شارع؟
- لا. الجرائم المسجلة لا تشمل كل ما يحدث، مثل التحرش غير المُبلَّغ عنه، ولا تُظهر من توقفوا عن المرور بالشارع أصلًا.
المصادر
- NBER، ونُشرت لاحقًا في Journal of Quantitative Criminology، «Reducing Crime Through Environmental Design: Evidence from a Randomized Experiment of Street Lighting in New York City»، مايو 2019.
- Journal of Epidemiology and Community Health، كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، «The effect of reduced street lighting on road casualties and crime in England and Wales»، 2015.
- NIHR Public Health Research، جامعة كوليدج لندن، «What is the effect of reduced street lighting on crime and road traffic injuries at night?»، سبتمبر 2015.
- مكتب الإحصاء الوطني البريطاني (ONS)، «Perceptions of personal safety and experiences of harassment, Great Britain: 2 to 27 June 2021»، أغسطس 2021.
- مكتب الإحصاء الوطني البريطاني (ONS)، «Perceptions of personal safety and experiences of harassment, Great Britain: 16 February to 13 March 2022»، 25 مايو 2022.
- مكتب الإحصاء الوطني البريطاني (ONS)، «The nature of violent crime in England and Wales: year ending March 2024»، 2024.
- برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) مصر، مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، «مشواري: دراسة عن تجربة النساء في المواصلات العامة بالقاهرة الكبرى»، مايو 2021.
- هيئة الأمم المتحدة للمرأة، «Safe Cities and Safe Public Spaces: Flagship Programme Brief».
- وزارة السلامة العامة في ولاية نورث كارولاينا، «Crime Prevention Through Environmental Design».