لماذا تحتاج رؤية أصدقائك إلى مدير مواعيد؟
الصداقة تُبنى بساعات طويلة من الوقت المشترك، وكانت المدرسة والجامعة توفرها دون ترتيب. حين يختفي هذا الإطار، يصير كل لقاء مشروعًا تعرقله المسافة والعمل والرعاية والميزانية.

يكتب أحدهم في المحادثة الجماعية: متى نلتقي؟ تتوالى الردود. السبت لا يناسب، والجمعة للعائلة، وثالث يعمل حتى المساء، ورابع يقترح مكانًا يراه غيره غاليًا. بعد يومين يتوقف النقاش عند عبارة مألوفة: نرتب لها قريبًا.
المشهد عادي إلى حد أنه لا يلفت النظر. لكنه يتكرر في وقت تقول فيه منظمة الصحة العالمية إن واحدًا من كل ستة أشخاص في العالم يعاني الوحدة، بحسب تقرير لجنتها للتواصل الاجتماعي الصادر في 30 يونيو 2025. والنسبة أعلى بين الشباب، بحسب التقرير نفسه.
لأن الصداقة تعيش على اللقاء المتكرر، والإطار الذي كان يرتّبه اختفى.
في المدرسة والجامعة كان اللقاء يحدث دون أن يرتبه أحد. بعدها يصير كل لقاء قرارًا يحتاج اتفاق جداول وأماكن وميزانيات، وكل عائق صغير يقلل عدد المرات. وحين تقل المرات تضعف الصداقة ببطء، حتى مع بقاء المحبة.
كم ساعة تحتاج الصداقة؟
حاول جيفري هول، أستاذ دراسات الاتصال في جامعة كانساس، أن يضع رقمًا لذلك. سأل في دراسة نشرها عام 2018 بالغين انتقلوا حديثًا إلى مدينة جديدة، وطلابًا في سنتهم الجامعية الأولى، عن علاقاتهم الجديدة وعدد الساعات التي قضوها معًا.
بحسب الدراسة، يحتاج الانتقال من معرفة عابرة إلى صداقة خفيفة نحو 50 ساعة، ثم نحو 90 ساعة لتصير صداقة، وأكثر من 200 ساعة لتصير صداقة قريبة. والساعات التي تُقضى في عمل مشترك لا تُحتسب بالقدر نفسه.
المصدر: جيفري هول، جامعة كانساس، Journal of Social and Personal Relationships، مارس 2018هذه أرقام تكوين صداقات جديدة. والحفاظ على القديمة يحتاج بدوره وقتًا. تابع الباحثان سام روبرتس وروبن دنبار شبكات علاقات مجموعة من الشباب على مدى 18 شهرًا خلال انتقال كبير في حياتهم. وجدا أن جودة الصداقات تراجعت، وأن ما خفف التراجع هو الجهد المبذول فيها: كثرة الحديث عند النساء، وكثرة الأنشطة المشتركة عند الرجال.
ما الذي كان يجمع الأصدقاء تلقائيًا؟
تقول عالمة الاجتماع ريبيكا آدامز، من جامعة نورث كارولاينا في غرينزبورو، إن الباحثين يعدّون منذ خمسينيات القرن الماضي ثلاثة شروط أساسية لتكوين صداقة قريبة. وتوضح، في حديث لصحيفة نيويورك تايمز عام 2012، أن هذا سبب تكوين كثيرين صداقات العمر في الجامعة.
كيف تتكوّن الصداقة دون تخطيط
- 1القربتسكنان أو تدرسان أو تعملان في المكان نفسه.
- 2لقاءات متكررة غير مرتبةتلتقيان لأن الجدول يجمعكما، لا لأن أحدًا وجّه دعوة.
- 3مكان يسمح بالبوحسياق مريح يخفف الحذر، فيبدأ الحديث عن الأمور الشخصية.
- 4يختفي الإطارتخرّج، أو انتقال، أو وظيفة جديدة. تبقى المحبة، ويختفي ما كان يرتب اللقاء.
الشروط الثلاثة الأولى بحسب ريبيكا آدامز. الخطوة الأخيرة هي ما تتناوله هذه القصة.
حين يختفي الإطار، ينتقل عبء اللقاء إلى الأفراد. ووجد مسح لمركز أبحاث الحياة الأمريكية عام 2021 أن العمل صار أكثر مكان يكوّن فيه الأمريكيون صداقات قريبة، متقدمًا على المدرسة والحي. أي أن ما بقي من الأطر الجاهزة لكثيرين هو مكان العمل وحده.
من لقاء يحدث إلى لقاء يُرتَّب
الجدول يجمع الأصدقاء كل يوم. اللقاء لا يحتاج دعوة، والغياب لا يُلاحظ لأن لقاءً آخر قادم غدًا.
كل لقاء يحتاج من يبادر، وموعدًا يناسب الجميع، ومكانًا وميزانية. وكل اعتذار قد يؤجل اللقاء أسابيع.
ما الذي يُفشل الموعد؟
حين يصير اللقاء مشروعًا، تتحول ظروف كل فرد إلى قيد على المجموعة كلها. يكفي أن يتعارض قيد واحد مع الموعد المقترح حتى يسقط، وكلما كبرت المجموعة زادت القيود.
أربعة قيود على موعد واحد
تحليل لا واقعة: عرض القيود الأربعة تحليل لطريقة عملها، لا ترتيب لأهميتها. الأبحاث المذكورة تقيس أثر بعضها، مثل ساعات العمل، أكثر من غيرها.
هل يقل الوقت مع الأصدقاء فعلًا؟
أطول سلسلة بيانات عن الموضوع أمريكية، من مسح استخدام الوقت الذي يسجل فيه المشاركون يومهم ساعة بساعة. واستند إليها الجراح العام الأمريكي في تحذيره من الوحدة والعزلة في مايو 2023.
2020 سنة جائحة. بحسب التحذير، كان التراجع جاريًا قبلها وزادته الجائحة. المصدر: تحذير الجراح العام الأمريكي، مايو 2023، استنادًا إلى مسح استخدام الوقت الأمريكي
ويقول التحذير إن التراجع أشد بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، إذ انخفض وقتهم مع الأصدقاء بنحو 70% في أقل من عقدين.
لم يُحسم بعد: لماذا تراجع الوقت مع الأصدقاء؟ لم يُحسم. يربطه بعض الباحثين بالهواتف ووسائل التواصل، ويشير آخرون إلى ساعات العمل والتنقل. والبيانات العربية المماثلة شحيحة، فلا يصح نقل الأرقام الأمريكية إلى المنطقة كما هي.
إذن، لماذا يحتاج اللقاء إلى مدير مواعيد؟
لأن الصداقة تُبنى بالساعات وتُحفظ بالتكرار، وكان الإطار الجاهز يوفر الاثنين دون جهد. بعد اختفائه، صار كل لقاء يحتاج من يبادر ويرتب ويحسم. الصديق الذي يقترح الموعد ويلاحقه يؤدي الوظيفة التي كان يؤديها جدول المدرسة. والصداقة التي لا يتولى أحد ترتيب لقاءاتها تضعف مع الوقت، حتى مع بقاء المحبة، لأن المرات تقل.
ما يستحق المتابعة
- خطوات الدول في تطبيق توصيات لجنة منظمة الصحة العالمية للتواصل الاجتماعي، ومنها مؤشر عالمي لقياس التواصل تعمل عليه المنظمة.
- نتائج مسح استخدام الوقت الأمريكي السنوية، لمعرفة هل استمر التراجع بعد الجائحة.
- أي بيانات عربية رسمية عن الوقت مع الأصدقاء والشعور بالوحدة، وهي شحيحة حاليًا.
المصادر
- University of Kansas، «Study reveals number of hours it takes to make a friend»، 6 مارس 2018.
- U.S. Department of Health and Human Services، «Our Epidemic of Loneliness and Isolation: The U.S. Surgeon General's Advisory»، مايو 2023.
- منظمة الصحة العالمية، «Social connection linked to improved health and reduced risk of early death»، 30 يونيو 2025.
- Human Nature (Roberts & Dunbar)، «Managing Relationship Decay: Network, Gender, and Contextual Effects»، 2015.
- University of Oxford (Bhattacharya, Dunbar et al.)، «Absence makes the heart grow fonder: social compensation when failure to interact risks weakening a relationship»، 2017.
- The New York Times، «The Challenge of Making Friends as an Adult»، يوليو 2012.
- SSM - Population Health (Kannan & Veazie)، «US trends in social isolation, social engagement, and companionship, 2003–2020»، 2023.
- Survey Center on American Life، «The State of American Friendship: Change, Challenges, and Loss»، 8 يونيو 2021.