دول تحظر نشر الاستطلاعات قبل الاقتراع. هل تغيّر الأرقام قرار الناخب؟
الاستطلاع لا يقيس الرأي فقط، فقد يصبح جزءًا من المعلومات التي يقرر بها الناخب. هذا ما تقوله الأدلة عن أثره، وأين تتوقف.

في فرنسا، يحظر القانون نشر أي استطلاع انتخابي أو بثه أو التعليق عليه في اليوم السابق للاقتراع ويوم الاقتراع نفسه، ويشمل الحظر حتى الاستطلاعات التي نُشرت قبل ذلك. وحتى عام 2002 كان الحظر يمتد أسبوعًا كاملًا.
فرنسا ليست حالة نادرة. بحسب تقرير الرابطة العالمية لأبحاث الرأي العام (WAPOR) ومنظمة ESOMAR لعام 2023، تقيّد 46% من 157 دولة شملها التقرير نشر الاستطلاعات قبل الانتخابات، ولا تسمح 15% أخرى بالاستطلاعات الانتخابية أصلًا. فإن لم يكن للأرقام أثر في الناخبين، فلماذا كل هذا الحذر؟
نعم، تؤثر، لكن أثرها أصغر مما يُشاع، ولا يسير في اتجاه واحد.
أوضح ما وجدته الدراسات أثر الاستطلاعات في قرار الذهاب إلى الصندوق: حين يبدو السباق محسومًا يقل المصوّتون. أما أثرها في اختيار المرشح فيميل إلى المتقدم في دراسات، وإلى المتأخر في أخرى، ويتغير حجمه بحسب البلد ونظامه الانتخابي.
ما الذي يغيّره رقم في استطلاع؟
الاستطلاع يجيب عن سؤال لا يستطيع الناخب الإجابة عنه وحده: ماذا سيفعل الآخرون؟ وهذه المعلومة قد تؤثر في قرارين مختلفين: هل يذهب للتصويت أصلًا، ولمن يعطي صوته.
- مصطلحأثر ركوب الموجة (bandwagon effect)
- ميل بعض الناخبين إلى دعم المرشح أو الحزب الذي تُظهر الاستطلاعات تقدمه أو صعوده. ويقابله «أثر المتأخر» (underdog effect)، أي التعاطف مع من تُظهره الأرقام خاسرًا.
من الرقم المنشور إلى ورقة الاقتراع
- 1نشر الاستطلاعتنشر وسيلة إعلام نتيجة استطلاع، وغالبًا مع عنوان عن تقدم مرشح أو تراجع آخر.
- 2تكوّن التوقعيبني الناخب تصورًا عن النتيجة المرجحة: هل السباق متقارب أم محسوم؟
- 3قرار المشاركةإن بدا السباق محسومًا، قد يرى أن صوته لن يغيّر شيئًا فيبقى في البيت.
- 4قرار الاختيارمن يذهب قد يميل إلى المتقدم، أو يتعاطف مع المتأخر، أو يصوّت استراتيجيًا لمرشح قادر على المنافسة.
تسلسل تفترضه الدراسات أدناه وتختبره. لا يمر به كل ناخب، ولا يقرر معظم الناخبين بناءً على الاستطلاعات.
ماذا وجدت الدراسات؟
قياس أثر الاستطلاعات صعب، لأن الناخب الذي يرى استطلاعًا يرى معه أخبارًا وحملات ونقاشات. لذلك يبحث الباحثون عن ظروف يرى فيها بعض الناخبين الأرقام ولا يراها غيرهم.
إحدى هذه الظروف وفّرها تعديل انتخابي في فرنسا. قبل عام 2005، كان سكان أقاليم فرنسا الغربية فيما وراء البحار يصوّتون بعد أن تُعرف نتائج البر الرئيسي عبر استطلاعات الخروج. ومنذ 2005 صاروا يصوّتون في اليوم السابق، أي قبل أن تُعرف أي نتيجة.
تقدير دراسة منشورة عام 2015 لأثر معرفة نتائج استطلاعات الخروج على نسبة المشاركة في تلك الأقاليم. ووجدت الدراسة أيضًا أن من صوّتوا مالوا أكثر إلى المرشح المتوقع فوزه.
المصدر: Morton وMuller وPage وTorgler، مجلة European Economic Review، 2015.لكن الصورة تختلف من بلد إلى آخر. بعض الدراسات وجدت انجذابًا نحو المتقدم، وأخرى وجدت العكس، وثالثة ركّزت على المشاركة لا على الاختيار.
أربع دراسات، ثلاث نتائج
لماذا تختلف النتائج؟
لأن الناخبين لا يستخدمون المعلومة نفسها بالطريقة نفسها. في نظام الدوائر الفردية، كما في بريطانيا، يرى الناخب سباقه المحلي محسومًا فيقل حافزه للذهاب. وفي نظام نسبي متعدد الأحزاب، كما في الدنمارك، يغيّر الناخب حزبه بسهولة أكبر.
ويرتبط الأمر أيضًا بتوقيت الاستطلاع. تقول دراسة بريطانيا إن أثر الأرقام كان أوضح كلما اقترب الاستطلاع من يوم الانتخاب، وهذا هو المنطق الذي تستند إليه قوانين الحظر في الأيام الأخيرة.
تحليل لا واقعة: الأثر الأوضح في الدراسات يقع على قرار الذهاب للتصويت أكثر من اسم المرشح. هذا استنتاج من الدراسات المذكورة هنا، لا حصيلة مراجعة شاملة لكل ما كُتب في الموضوع.
- بماذا تبرر الدول الحظر؟
- في فرنسا، برر البرلمان الحظر بحماية «صدق الاقتراع»، أي ألا تتغير النتيجة بمعلومة تصل في اللحظة الأخيرة دون وقت للرد عليها.
- لماذا اختصرت فرنسا الحظر من أسبوع إلى يومين؟
- لأن محكمة النقض الفرنسية رأت أن حظر الأسبوع الكامل يتعارض مع مواد في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، منها حرية التعبير. فعدّل البرلمان القانون عام 2002.
- وماذا عن الاستطلاعات المنشورة من الخارج؟
- لا يستطيع الحظر منع موقع خارج البلاد من النشر. لذلك أعطى القانون الفرنسي المعدّل لجنة الاستطلاعات صلاحية بث تصحيحات حين يُنشر من الخارج استطلاع مخالف في الشهرين السابقين للاقتراع.
محسوم
- الاستطلاعات قد تغيّر سلوك بعض الناخبين، والأثر قابل للقياس في دراسات بتصاميم مختلفة.
- توقع سباق محسوم يرتبط بمشاركة أقل في أكثر من بلد.
لم يُحسم
- حجم الأثر في الانتخابات الحقيقية خارج ظروف الدراسات.
- هل يغلب الانجذاب إلى المتقدم أم التعاطف مع المتأخر، إذ يختلف ذلك بحسب البلد.
- هل يحقق الحظر هدفه حين تنتشر الأرقام عبر الإنترنت.
بحسب الدراسات المتاحة حتى نوفمبر 2026
إذن، هل تغيّر الاستطلاعات قرار الناخب؟
تغيّره لدى بعض الناخبين، وبقدر محدود. أثرها الأوضح أنها تقنع بعضهم بأن النتيجة حُسمت فلا داعي للذهاب. أما اتجاه الأصوات فقد يميل إلى المتقدم أو المتأخر بحسب البلد والنظام الانتخابي. وهذا ما يجعل الحظر نقاشًا مفتوحًا بين حماية الاقتراع من معلومة اللحظة الأخيرة وحق الناخب في أن يعرف.
ما يستحق المتابعة
- قواعد نشر الاستطلاعات في بلدك: هل يوجد حظر، وكم يومًا يمتد، ومن يراقبه.
- حين يُنشر استطلاع: من أجراه، وكم شخصًا سأل، ومتى، وما هامش الخطأ.
- الإصدار القادم من تقرير WAPOR وESOMAR عن حرية نشر الاستطلاعات، ويصدر عادة كل خمس سنوات.
المصادر
- Morton, Muller, Page, Torgler · European Economic Review، «Exit polls, turnout, and bandwagon voting: Evidence from a natural experiment»، 2015.
- Dahlgaard وآخرون · Scandinavian Political Studies، «How Election Polls Shape Voting Behaviour»، 2017.
- Alabrese, Fetzer · CESifo Working Paper 11063، «Opinion Polls, Turnout and the Demand for Safe Seats»، أبريل 2024.
- Chatterjee, Kamal · Public Choice، «Voting for the underdog or jumping on the bandwagon? Evidence from India's exit poll ban»، 2021.
- WAPOR وESOMAR، «Freedom to Publish Opinion Polls 2023»، 2023.
- مجلس الشيوخ الفرنسي، «تقرير لجنة القوانين حول تعديل قانون 19 يوليو 1977 بشأن الاستطلاعات»، 31 يناير 2002.
- الجمعية الوطنية الفرنسية، «تقرير الجمعية الوطنية حول مشروع تعديل قانون الاستطلاعات»، 2002.
- مجلس الشيوخ الفرنسي، «نص التعديل: الاستطلاعات المنشورة من خارج البلاد»، 2002.