الجيش أم المدارس؟ لماذا خرج جيل زد في ألمانيا
احتجاجات شبابية في 34 مدينة ألمانية رفعت مطالب تبدو متفرقة: تعليم وإيجارات وتجنيد. هنا الخيط الذي يجمعها، وما الذي لم يُحسم بعد.

يوم السبت 31 أكتوبر 2026، وهو يوم الهالوين، خرج شباب في 34 مدينة ألمانية في وقت واحد، بينها برلين وفرانكفورت وميونيخ. بعضهم جاء بأزياء تنكرية، وفي المقابل انتشر آلاف من رجال الشرطة، وأغلقت متاجر واجهاتها بألواح خشبية تحسبًا لأعمال شغب.
دعت إلى الاحتجاج حركة اسمها «Gen Z regelt»، أي «جيل زد يتولى الأمر». وتأتي الاحتجاجات بينما تحاول ألمانيا إنعاش نموها الاقتصادي، وتواجه ضغطًا متزايدًا على المعاشات والخدمات العامة مع تقاعد جيل كبير وتقلص عدد من هم في سن العمل، بحسب رويترز.
في ميزانية ألمانيا الاتحادية لعام 2026، الجيش يأتي أولًا. لكن المقارنة أعقد مما تبدو.
ميزانية وزارة الدفاع ارتفعت نحو الثلث في عام واحد، ويُموَّل جزء كبير منها بقروض مستثناة من قاعدة الدين. أما المدارس، فتمولها الولايات أساسًا لا الحكومة الاتحادية. المحتجون يرون في هذا التفاوت ترتيبًا للأولويات على حساب جيلهم.
ماذا يطلب المحتجون؟
بحسب رويترز، خرج المحتجون ضد نقص تمويل المدارس، وتقليص الإنفاق على التعليم والخدمات الاجتماعية والثقافة والصحة، وارتفاع تكاليف المعيشة، والتجنيد العسكري. وتضيف مطالبهم السكن وحماية المناخ.
حين تدخل القاعات، تبدو كأنها مبنى مهجور
أما مطلب «رفض التجنيد» فيحتاج إلى توضيح، لأن ألمانيا لم تُعِد التجنيد الإلزامي بعد. ما تغيّر هو القانون الذي يفتح الطريق إليه.
- مصطلحالتجنيد عند الحاجة (Bedarfswehrpflicht)
- آلية في قانون تحديث الخدمة العسكرية الذي أقره البرلمان الألماني في 5 ديسمبر 2025. الخدمة تبقى طوعية، وتُرسل استمارة عن الدافع والأهلية إلى كل من يبلغ 18 عامًا ابتداء من 2026. وإذا لم يتطوع عدد كافٍ، أو ساء الوضع الأمني، يمكن للبرلمان أن يقر التجنيد الإلزامي بقانون.
بالنسبة إلى جيل يتلقى هذه الاستمارة الآن، التجنيد ليس احتمالًا بعيدًا. ولذلك يظهر في الاحتجاجات إلى جانب مطالب المدارس والإيجارات.
لماذا تبدو المقارنة بين الجيش والمدارس حادة؟
مقابل 62.3 مليار يورو في 2025، أي زيادة بنحو الثلث في عام واحد. هذا الرقم لا يشمل ما يُصرف من الصندوق الخاص بالجيش.
المصدر: البرلمان الألماني (بوندستاغ)، إقرار ميزانية 2026.الأهم من الرقم طريقة تمويله. بحسب البرلمان الألماني، يقع 57.57 مليار يورو من قروض الحكومة الاتحادية في 2026 ضمن استثناء خاص بنفقات الدفاع وبعض نفقات الأمن، فلا تُحسب ضمن سقف الدين الذي يحدده الدستور. أي أن الإنفاق العسكري يملك بابًا للاقتراض لا تملكه بقية القطاعات.
من يدفع ماذا؟
تموله الحكومة الاتحادية من ميزانيتها، وجزء كبير من قروضه مستثنى من قاعدة الدين.
تموله الولايات والبلديات أساسًا. في 2022 أنفقت الولايات وحدها نحو 69% من الإنفاق العام على التعليم، بحسب مكتب الإحصاء الاتحادي.
لهذا لا يمكن القول إن كل يورو ذهب إلى الجيش أُخذ مباشرة من المدارس، فهما ميزانيتان مختلفتان تديرهما جهات مختلفة. لكن المحتجين لا يعترضون على دفتر حسابات واحد، بل على ما تختار الدولة أن تجعله استثناء.
تحليل لا واقعة: الربط بين زيادة الإنفاق العسكري وضعف تمويل التعليم هو قراءة المحتجين ومنتقدي الحكومة. الحكومة الألمانية تقول إنها تدعم الولايات في التعليم والرعاية، وتبرر زيادة الدفاع بالوضع الأمني في أوروبا.
كم شخصًا خرج فعلًا؟
قبل الاحتجاج، توقع المنظمون نحو 182 ألف مشارك، بحسب رويترز. وبعده قال المنظمون إن أكثر من 100 ألف شاركوا في أنحاء البلاد، بحسب وكالة الأنباء الألمانية. ولا يوجد حتى الآن رقم رسمي على مستوى ألمانيا كلها.
أرقام الشرطة في المدن الكبرى أقل من أرقام المنظمين. في برلين قدّرت الشرطة نحو 5 آلاف مشارك مقابل 10 آلاف بحسب المنظمين، وفي فرانكفورت 8 آلاف مقابل 9 آلاف، وفي هامبورغ نحو 6700 بحسب الشرطة.
مرت معظم المظاهرات بسلام، بحسب السلطات. لكن في هامبورغ أُشعلت حواجز، وفي كولونيا استخدمت الشرطة خراطيم المياه بعد إلقاء مفرقعات، وأوقفت مسيرات في كولونيا وفرانكفورت وشتوتغارت بسبب إخفاء الوجوه والألعاب النارية.
محسوم
- الاحتجاج جرى في 34 مدينة يوم 31 أكتوبر 2026.
- المطالب: التعليم، وتكاليف المعيشة، والخدمات الاجتماعية، ورفض التجنيد، والمناخ.
- معظم المظاهرات كانت سلمية، مع مواجهات في هامبورغ وكولونيا.
لم يُحسم
- العدد الفعلي للمشاركين على مستوى ألمانيا.
- من يقف وراء تنظيم الحركة. وزارة الداخلية الاتحادية تقول إن أجزاء من اليسار المتطرف ومجموعات مرتبطة بحركات أجنبية انضمت إلى الحشد، والحركة تقول إنها ترفض العنف.
- هل تستمر الحركة بعد يوم واحد، وهل تستجيب الحكومة لأي من مطالبها.
بحسب المعلومات المتاحة حتى 1 نوفمبر 2026
حتى بين ممثلي الطلاب لا يوجد موقف واحد. نأى الاتحاد الاتحادي لممثلي طلاب المدارس (BSK) بنفسه عن الحركة، وقالت أمينته العامة إن الابتعاد عن الحركة لا يعني الابتعاد عن الطلاب الذين لديهم مخاوف مشروعة. ويعتزم الاتحاد تنظيم يوم احتجاج منفصل في 20 نوفمبر 2026.
إذن، الجيش أم المدارس؟
في ميزانية الحكومة الاتحادية لعام 2026، الجيش هو من حصل على الزيادة الكبرى وعلى استثناء من قاعدة الدين. المدارس لا تنافسه في الميزانية نفسها، لكنها لم تحصل على باب مماثل للتمويل. هذا التفاوت هو الخيط الذي يجمع مطالب تبدو متفرقة: حين يشعر جيل أن الدولة تجد المال لتجنيده ولا تجده لصفوفه، يتحول الخلاف على الميزانية إلى سؤال عن مكانه في القرار.
وتأتي الاحتجاجات الألمانية ضمن موجة شبابية في أوروبا هذا العام. في فرنسا تحولت الاحتجاجات إلى أعمال شغب ونهب، وفي صربيا ساهم حراك طلابي في إسقاط زعيم البلاد عبر صناديق الاقتراع، بحسب رويترز.
ما يستحق المتابعة
- احتجاج اتحاد ممثلي طلاب المدارس (BSK) المستقل يوم 20 نوفمبر 2026، وحجمه مقارنة بيوم 31 أكتوبر.
- أي رد من الحكومة الاتحادية أو حكومات الولايات على مطالب التعليم.
- عدد المتطوعين للخدمة العسكرية الجديدة، لأنه ما يحدد إن كان البرلمان سيلجأ إلى التجنيد عند الحاجة.
- هل تعلن الحركة موعدًا ثانيًا للاحتجاج، ومن ينضم إليه.
المصادر
- رويترز، «Gen Z protests reach Germany as thousands join Halloween rallies»، 31 أكتوبر 2026.
- إذاعة دويتشلاند فونك، «تغطية احتجاجات جيل زد في ألمانيا»، 31 أكتوبر 2026.
- التلفزيون الألماني ARD، «حصيلة المظاهرات»، 31 أكتوبر 2026.
- البرلمان الألماني (بوندستاغ)، «Etat 2026 des Bundes mit Ausgaben von 524,54 Milliarden Euro beschlossen»، 14 نوفمبر 2025.
- البرلمان الألماني (بوندستاغ)، «Gesetzesbeschluss: Wehrdienst-Modernisierungsgesetz (Drucksache 731/25)»، 5 ديسمبر 2025.
- الحكومة الاتحادية الألمانية، «Neuer attraktiver Wehrdienst beschlossen».
- وزارة المالية الاتحادية الألمانية، «Regierungsentwurf Bundeshaushalt 2026»، 30 يوليو 2025.
- مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني (Destatis)، «Bildungsfinanzbericht 2023»، ديسمبر 2023.
- الجزيرة الإنجليزية (نقلًا عن وكالة الأنباء الألمانية)، «Thousands rally in Berlin as Gen Z protests in more than 30 German cities»، 31 أكتوبر 2026.
- نويه تسورخر تسايتونغ (NZZ)، «Jugendproteste in Europa: Live-Ticker»، 31 أكتوبر 2026.