عائلة واحدة، خمس شاشات. هل الخوارزمية هي السبب؟
حين يعرف أحد أفراد العائلة خبرًا لم يسمع به الباقون، يُلام الخوارزمية أولًا. لكن ما يصل لكل فرد يمر بطبقات يختار أغلبها بنفسه، والأبحاث تقول إن الفقاعة أضيق مما نظن.

مشهد متخيَّل يتكرر في بيوت كثيرة: على العشاء يذكر الابن خبرًا تداوله الجميع منذ الصباح. الأب لم يسمع به. الأم رأته في مجموعة العائلة بصيغة مختلفة. والجدة تنتظر نشرة المساء لتعرف إن كان صحيحًا.
هذا التباعد صار أوسع. بحسب تقرير الأخبار الرقمية 2026 لمعهد رويترز في جامعة أكسفورد، صارت منصات التواصل والفيديو لأول مرة أكثر مصادر الأخبار استخدامًا في 48 سوقًا شملها المسح، إذ يستخدمها 54% أسبوعيًا، مقابل 52% للتلفزيون. ويقول أكثر من نصف من هم بين 18 و24 عامًا إنها طريقهم الرئيسي إلى الأخبار، بينما يبقى التلفزيون المصدر الرئيسي لمن تجاوزوا 45 عامًا.
الخوارزمية ترتّب، لكنها ترتّب ما اختاره كل فرد أولًا.
ما يصل لكل فرد يتشكل من حسابات يتابعها، ولغة يقرأ بها، ومجموعات ينتمي إليها، ثم من ترتيب المنصة. وحين غيّر باحثون الخوارزمية نفسها في تجارب واسعة، تغيّر ما يراه الناس ولم تتغير آراؤهم كثيرًا. لكن أغلب هذه الأدلة أمريكية، ومن فيسبوك وإنستغرام تحديدًا.
من أين يصل الخبر لكل فرد؟
يمكن تفكيك ما يراه كل فرد في العائلة إلى خمس طبقات. أغلبها يقرره الشخص نفسه أو دائرته، وواحدة فقط تقررها المنصة.
خمس طبقات تصنع نسخة كل فرد من الأخبار
كيف يصل خبر واحد إلى هاتف كل فرد؟
لنتتبع خبرًا واحدًا من لحظة نشره. الخوارزمية تظهر في منتصف الطريق، لا في أوله.
رحلة خبر إلى شاشة واحدة
- 1الخبر يُنشرعلى موقع إخباري أو حساب صحفي أو صانع محتوى، وبلغة محددة.
- 2شبكة الفرد تلتقطه أو لاإن لم يكن الناشر بين من يتابعهم الشخص، ولم يشاركه أحد في دائرته، فالأرجح ألا يمر به.
- 3المنصة ترتّبتقدّم ما تتوقع أن يتفاعل معه المستخدم، وقد تضيف محتوى من خارج شبكته.
- 4الانتباه يقررالمستخدم يمرّر أو يتوقف. وما يتفاعل معه يغذّي ترتيب المرة التالية.
الخطوة المعلَّمة هي التي تفرّق أفراد العائلة أكثر من غيرها، بحسب الأبحاث المذكورة أدناه.
ماذا تقول الأبحاث عن الفقاعة؟
- مصطلحفقاعة المرشِّح (filter bubble)
- فكرة تقول إن الخوارزميات، بتخصيصها المحتوى لكل مستخدم، تعزله تدريجيًا عمّا لا يوافق اهتماماته وآراءه. وتختلف عن غرفة الصدى (echo chamber)، وهي وسط يختاره الناس بأنفسهم ولا يسمعون فيه إلا أصواتًا تشبههم.
في 2023 نشر فريق من باحثي جامعات أمريكية، بالشراكة مع باحثين من شركة Meta، نتائج تجارب أُجريت خلال انتخابات 2020 الأمريكية. في إحداها، المنشورة في مجلة Science، حُوِّل نحو 23 ألف مستخدم لفيسبوك ونحو 21 ألفًا لإنستغرام إلى صفحة مرتبة زمنيًا بدل ترتيب الخوارزمية، لثلاثة أشهر.
تغيّر ما رأوه: قضوا وقتًا أقل على المنصتين، ورأوا محتوى سياسيًا ومحتوى غير موثوق أكثر. لكن مستوى استقطابهم ومعرفتهم السياسية لم يتغير بشكل يُعتد به. وفي تجربة ثانية نُشرت في مجلة Nature، خُفِّض المحتوى القادم من مصادر تشارك المستخدمين ميولهم بنحو الثلث، دون أثر يمكن قياسه على مواقفهم.
هذه نسبة من جاء 75% أو أكثر مما رأوه من مصادر تشاركهم ميولهم السياسية، بين يونيو وسبتمبر 2020. أي أن الفقاعة الكثيفة موجودة، لكنها تخص نحو خُمس المستخدمين لا أغلبهم. والمستخدم الوسيط جاءه نحو نصف ما رآه من مصادر كهذه.
المصدر: Nyhan وآخرون، مجلة Nature، 2023وتصل مراجعة لمعهد رويترز عام 2022 لعشرات الدراسات إلى نتيجة قريبة: غرف الصدى أقل انتشارًا مما يُفترض، ولم تجد المراجعة دعمًا لفرضية فقاعة المرشِّح. بل إن الاختيار الخوارزمي في محركات البحث ومنصات التواصل يقود عمومًا إلى تنوع أكبر قليلًا في الأخبار. وتقدّر دراسات في بريطانيا أن ما بين 6% و8% فقط يعيشون في غرف صدى إخبارية حزبية، وأغلبهم دخلوها باختيارهم.
للسياق: هذه النتائج لا تعني أن المنصات بلا أثر. تجارب 2020 قاست المواقف السياسية خلال ثلاثة أشهر فقط، والباحثون أنفسهم يقولون إن تأثير المنصات على المجتمع يحتاج دراسات أطول وأوسع.
محسوم
- المنصات ترتّب ما يظهر لكل مستخدم، فتختلف الشاشات حتى داخل البيت الواحد.
- في تجارب 2020 على فيسبوك وإنستغرام، لم يغيّر استبدال الخوارزمية بالترتيب الزمني المواقف السياسية خلال ثلاثة أشهر.
- أغلب الناس لا يعيشون في غرف صدى إخبارية مغلقة، بحسب مراجعة معهد رويترز.
لم يُحسم
- أثر توصيات تيك توك والفيديو القصير، فالتجارب الكبرى أُجريت على فيسبوك وإنستغرام.
- ما يجري داخل مجموعات المراسلة المشفرة، وهي الأصعب على الباحثين.
- هل تصح هذه النتائج في العالم العربي، فأغلب الأدلة أمريكية وأوروبية.
- الأثر على مدى سنوات لا أشهر.
بحسب الدراسات المتاحة حتى نوفمبر 2026
إذن، لماذا لم يسمع الآخرون بالخبر؟
لأن كل فرد في العائلة يقف عند باب مختلف. الابن يتابع صانعي محتوى لا يعرفهم أبوه، والأم في مجموعات لا يدخلها ابنها، والجدة تثق بنشرة لا يشاهدها أحد غيرها. الخوارزمية تزيد هذا التباعد أو تخففه، لكنها تعمل على مادة اختارها كل منهم قبلها. والسؤال المفتوح هو حجم دورها في المنصات التي لم تُدرس بعد بالعمق نفسه، وفي منطقتنا تحديدًا.
ما يستحق المتابعة
- دراسات تستفيد من حق الباحثين في الوصول إلى بيانات المنصات الكبرى بموجب قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، الذي دخلت لائحته التنفيذية حيز التنفيذ في 29 أكتوبر 2025.
- خيار الصفحة غير المخصصة الذي يلزم القانون نفسه المنصات الكبرى بتوفيره، ومدى استخدام الناس له فعلًا.
- تقرير الأخبار الرقمية لعام 2027، ونسبة من يعتمدون على المنصات وحدها، وقد بلغت 12% في 2026.
المصادر
- Reuters Institute for the Study of Journalism، «Overview and key findings of the 2026 Digital News Report»، 16 يونيو 2026.
- Princeton School of Public and International Affairs، «Social Media, Polarization, and the 2020 Presidential Election (Guess et al., Science, 2023)»، 27 يوليو 2023.
- Nature، «Like-minded sources on Facebook are prevalent but not polarizing»، 2023.
- Dartmouth College، «Researchers Examine ‘Like-Minded Sources’ on Social Media»، يوليو 2023.
- Reuters Institute for the Study of Journalism، «Echo chambers, filter bubbles, and polarisation: a literature review»، يناير 2022.
- Northwestern University in Qatar، «Media Use in the Middle East 2017: A Seven-Nation Survey»، 2017.
- Office of Electronic Communications (UKE), Poland، «Delegated act on data access for researchers enters into force»، 2025.
- EUR-Lex، «Regulation (EU) 2022/2065 (Digital Services Act), Article 38»، 19 أكتوبر 2022.