كل لقاء له فاتورة. أين يجلس من لا يريد أن يدفع؟
المكتبات والحدائق والساحات آخر أماكن الجلوس المجاني في المدينة. هذا ما يحدث للصداقة حين تبتعد، ومن يخسر أولًا.

موقف مألوف في مدن كثيرة: صديقان يريدان أن يلتقيا مساء يوم عمل، ساعتين للحديث فقط. يقترح أحدهما مقهى، فيفكر الآخر في ثمن القهوة. المطعم أغلى. والبيت بعيد أو مزدحم. يمر الوقت في البحث عن مكان لا يطلب شيئًا مقابل الجلوس، ثم يؤجَّل اللقاء.
السؤال يبدو بسيطًا: أين يجلس المرء في مدينته إذا لم يكن يريد أن يشتري شيئًا؟ لكن إجابته تكشف كيف صُممت المدينة، ولمن.
في أماكن قليلة، وليست في متناول الجميع بالقدر نفسه.
المكتبات العامة والحدائق والساحات هي ما تبقى من أماكن الجلوس المجاني. لكن أقل من نصف سكان المدن في العالم يعيشون على مسافة مشي قصيرة من مساحة عامة مفتوحة، بحسب موئل الأمم المتحدة. وحين يرتبط اللقاء بالإنفاق، يلتقي أصحاب الدخل المحدود أقل، وهم من الفئات الأكثر عرضة للوحدة أصلًا.
لماذا يهم هذا الآن؟
في 30 يونيو 2025 نشرت لجنة الصلة الاجتماعية التابعة لمنظمة الصحة العالمية تقريرها العالمي. بحسب التقرير، يعاني شخص من كل 6 أشخاص في العالم من الوحدة، وترتبط الوحدة بأكثر من 871 ألف وفاة سنويًا، وهي تقديرات للفترة من 2014 إلى 2019.
ومن الأسباب التي يذكرها التقرير للوحدة والعزلة: الدخل المنخفض، ونقص البنية التحتية المجتمعية. وضمن الحلول، تقترح المنظمة تقوية «البنية التحتية الاجتماعية»، وتضرب لها ثلاثة أمثلة: الحدائق والمكتبات والمقاهي. اثنان منها مجانيان، والثالث يطلب ثمن مشروب.
- مصطلحالمكان الثالث (third place)
- مصطلح صاغه عالم الاجتماع الأمريكي راي أولدنبرغ في كتاب صدر عام 1989. البيت هو المكان الأول، والعمل هو الثاني، والمكان الثالث هو حيث يلتقي الناس بانتظام خارجهما للحديث والصحبة، مثل المقهى والساحة والمكتبة.
أين يمكن الجلوس مجانًا؟
يعرّف موئل الأمم المتحدة المساحة العامة بأنها كل مكان مملوك للعموم أو مخصص لاستخدامهم، يمكن للجميع الوصول إليه والاستمتاع به مجانًا ودون هدف ربحي. بهذا التعريف، لا يكفي أن يكون الدخول بلا تذكرة.
أماكن الجلوس المحتملة، وشرط كل منها
المكان المجاني موجود إذن. والسؤال الأصعب هو المسافة إليه.
بيانات عام 2020 من 962 مدينة في كل مناطق العالم. وتغطي هذه المسافة نحو 38% فقط من المناطق السكنية في هذه المدن. أي أن أكثر من نصف سكان المدن يحتاجون إلى مشي أطول أو مواصلات ليصلوا إلى مكان مفتوح ومجاني.
المصدر: موئل الأمم المتحدة، تقرير أهداف التنمية المستدامة الموسّع 2022ويلاحظ البرنامج أن المجمعات السكنية المغلقة صارت النمط الغالب للتطوير العمراني في أجزاء كثيرة من العالم، ويدعو إلى ضمان مساحات مفتوحة ومجانية داخلها وحولها.
كيف تُبعد الفاتورة الأصدقاء عن بعضهم؟
حين يغيب المكان المجاني القريب، لا تختفي الحاجة إلى اللقاء. ينتقل اللقاء إلى حيث يمكن الجلوس، وغالبًا إلى مكان يطلب ثمنًا.
من غياب المقعد العام إلى ضيق الدائرة
- 1المساحة المجانية بعيدةأكثر من نصف سكان المدن خارج مسافة المشي القصيرة منها.
- 2اللقاء ينتقل إلى مكان تجاريمقهى أو مطعم أو مول، حيث يرتبط الجلوس بالشراء.
- 3لكل لقاء ثمنمبلغ صغير في المرة الواحدة، يتكرر مع كل لقاء.
- 4من دخله محدود يلتقي أقليختار بين المال واللقاء، فيؤجل أو يعتذر.
- 5الدائرة تضيقتتجمع الصداقات بحسب القدرة على الدفع، ويصعب الالتقاء بمن هم خارجها.
الرسم تبسيط تحليلي، لا نتيجة دراسة واحدة تقيس الخطوات كلها.
تحليل لا واقعة: هذا التسلسل تحليل يجمع ما تقوله المصادر. منظمة الصحة العالمية تعدّ الدخل المنخفض ونقص البنية التحتية المجتمعية من أسباب الوحدة، لكنها لا تقيس أثر كلفة الجلوس تحديدًا.
من تستبعدهم المدينة؟
تقول منظمة الصحة العالمية إن ما بين 17% و21% ممن أعمارهم بين 13 و29 عامًا أفادوا بأنهم يشعرون بالوحدة، وأعلى النسب بين المراهقين. وتقدّر أن العزلة الاجتماعية تطال ما يصل إلى واحد من كل 3 من كبار السن، وواحد من كل 4 مراهقين.
والدخل يظهر في الأرقام أيضًا. نحو 24% من سكان الدول منخفضة الدخل أفادوا بأنهم يشعرون بالوحدة، وهذا ضعف النسبة في الدول مرتفعة الدخل، التي تبلغ نحو 11%.
وتذكر المنظمة فئات تواجه عوائق إضافية أمام التواصل: ذوو الإعاقة، واللاجئون والمهاجرون، والأقليات. وهي قريبة من الفئات التي يسميها هدف التنمية المستدامة 11.7، حين يطلب مساحات عامة آمنة وشاملة للجميع بحلول 2030، وخاصة للنساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.
ما تشترك فيه هذه الفئات أن خياراتها تضيق حين يرتبط اللقاء بالإنفاق. المراهق قد لا يملك مالًا خاصًا به، وكبير السن قد يعيش على دخل ثابت، وذو الإعاقة يحتاج قبل كل شيء مكانًا يمكنه الوصول إليه.
لم يُحسم بعد: حجم الأثر. لا تقدم المصادر الرسمية المعتمدة في هذه القصة رقمًا يقيس كم تتراجع اللقاءات أو الصداقات حين تبتعد الحدائق والمكتبات عن الأحياء السكنية.
إذن، أين يجلس من لا يريد أن يدفع؟
في المكتبة العامة إن كانت قريبة ومفتوحة، وفي الحديقة أو الساحة إن وُجدت على مسافة مشي. هذه الأماكن موجودة، لكن أكثر من نصف سكان المدن لا يعيشون قربها، بحسب بيانات الأمم المتحدة. وحين تبتعد، لا تختفي الصداقة، لكنها تصبح بندًا في الميزانية. ومن لا يتسع دخله لهذا البند يلتقي أقل، وهو في الغالب من الفئات التي تقول منظمة الصحة العالمية إنها الأكثر عرضة للوحدة.
ما يستحق المتابعة
- خطط البلدية في مدينتك للمساحات العامة، وهل تقيس قرب الحدائق من الأحياء السكنية.
- ساعات عمل المكتبات العامة القريبة، خاصة في المساء وعطلة نهاية الأسبوع.
- المؤشر العالمي للصلة الاجتماعية الذي تعمل منظمة الصحة العالمية على تطويره.
- تقارير موئل الأمم المتحدة عن الهدف 11.7 مع اقتراب موعده في 2030.
المصادر
- منظمة الصحة العالمية، «Social connection linked to improved health and reduced risk of early death»، 30 يونيو 2025.
- منظمة الصحة العالمية، «Loneliness and isolation – the hidden threat to global health we can no longer ignore»، 2025.
- الأمم المتحدة / موئل الأمم المتحدة، «The Sustainable Development Goals Extended Report 2022 – Goal 11»، 2022.
- موئل الأمم المتحدة، «SDG indicator metadata 11.7.1»، مارس 2021.
- الاتحاد الدولي لجمعيات المكتبات (IFLA) واليونسكو، «The IFLA-UNESCO Public Library Manifesto 2022»، يوليو 2022.
- Project for Public Spaces، «Ray Oldenburg».